الشيخ محمد النهاوندي
47
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَلا يَسْتَطِيعُونَ إذا طرأ على عبدتها أمر مهمّ لَهُمْ جزاء لعبادتها نَصْراً وإعانة بجلب نفع أو دفع ضرر ، بل وَلا أَنْفُسَهُمْ إذا أصابهم سوء يَنْصُرُونَ بدفع ما يعتريها من السّوء ، كما إذا أراد أحد كسرها أو لطخها بالألواث . قيل : إنّ المشركين كانوا يلطّخون أفواه أصنامهم بالخلوق « 1 » والعسل ، [ وكان ] يجتمع عليها الذّباب ، فلا تقدر على دفع الذّباب عن أنفسها « 2 » . ثمّ بالغ سبحانه في سلب أهليّة الأصنام للعبادة بسلب الحياة والشّعور منها ، وأهليّتها لكونها تابعة لعبدتها فيما هو صلاحها ، بقوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ أيّها المشركون إِلَى شيء من الْهُدى والصواب لا يَتَّبِعُوكُمْ ولا يوافقوكم في مرادكم لعدّم حياتهم وشعورهم وعلمهم بدعوتكم . ثمّ أكّد سبحانه ذلك بقوله : سَواءٌ عَلَيْكُمْ ولا تفاوت في حقّكم أَ دَعَوْتُمُوهُمْ إلى إنجاح حوائجكم ، أو إلى ما فيه صلاحكم وخيركم أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ وساكتون عن دعوتها . قيل : إنّ المشركين كانوا إذا وقعوا في أمر مهمّ ومعضل تضرّعوا إلى الأصنام ، فإذا لم يحدث منها في تلك الواقعة شيء بقوا ساكتين ، فقيل لهم : لا فرق بين دعائكم وبين أن تستمرّوا في صمتكم « 3 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 194 ] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 194 ) ثمّ بالغ سبحانه في بيان عدم صلاحية الأصنام للعبادة بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وممّا سواه ، على فرض حياتهم وشعوهم كما تعتقدون عِبادٌ للّه أَمْثالُكُمْ مملوكون مسخّرون تحت قدرة خالقهم ، والحال أنّها جمادات لا شعور لها فَادْعُوهُمْ إلى كشف مضارّكم وقضاء حوائجكم فَلْيَسْتَجِيبُوا دعاءكم ، ويقضوا لَكُمْ حوائجكم ، ويكشفوا عنكم مضارّكم ، ويدفعوا عنكم الشّدائد والبلايا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تدعون من كونهم أحياء شاعرين قادرين ، فإن ثبت كونها فاقدات للحياة والشّعور ، عاجزات عن إبصال النّفع ، فلا يجوز بحكم العقل عبادتها والالتفات إليها . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 195 إلى 196 ] أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ( 195 ) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 )
--> ( 1 ) . الخلوق : ضرب من الطّيب أعظم أجزائه الزّعفران . ( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 295 . ( 3 ) . تفسير الرازي 15 : 91 .